صـــحــبــ الشباب المصرى والعربى ــــــة مـــــــ احنا ملوك المنتديات ـــــــصـــــر

يرجى تسجيل ايميل المنتدى للاستعلامات So7bamsr@yahoo.com

مطلوب مشرفين على جميع الاقسام رشح نفسك دلوقتى على القسم الذى تريده


    نار حامية

    شاطر

    demon
    مشرف المنتدى الرياضى العام

    عدد المساهمات : 141
    تاريخ التسجيل : 24/06/2010
    العمر : 21
    المزاج : جميل جمال ملوش مثال

    نار حامية

    مُساهمة من طرف demon في السبت يونيو 26, 2010 1:45 pm

    حين شرعتُ أكتب المقالةَ السالفة، كنتُ بين أمرَين:
    إمَّا أن أكتب عن العبث الذي يتولَّى الإشرافَ على نشره في صحيفة الأهرام
    مستشارُها الثقافيُّ لويس عوض، وإمَّا أن أكتب عن كتاب وَقَع لي، رأيتُه
    يسلك نفسَ المسلك الذي اتَّخذه لويس عوض فيما كتبه عن شيخ المعرَّة ورسالة
    الغفران، فآثرتُ الأول؛ لأنَّه متصلٌ كلَّ الاتصال بوسائل "التبشير" وأهدافه، ومتصل أيضًا
    بالذي نحن فيه من أمْرِ هذه الفِئة التي تتحرَّك تحت ظِلال المستشار
    الثقافيِّ وبمشورته واختياره.




    وكان الموضوع الذي سَلَف عن نبيِّ الله
    يعقوب - عليه السلام - وكيف سوَّلتْ لكاتبٍ مُسلِم نفسُه أن يجعل هذا
    النبيَّ الكريم بنَ الكريم بنِ الكريم، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم
    السلام - كاهنًا من الكَهَنة، وحالِمًا من الحالمين، يرى رؤيا كما يرى
    الناس الرؤى، ولكنَّه "يعدُّها وحيًا
    من السماء
    "، كما قال هذا الكاتب، ثم لا يَزيد فيما كتب على أنْ
    خلَّط في سيرة يعقوب - عليه السلام - وأتى فيها بما يُناقض نصَّ القرآن
    مناقضةً ظاهرة، فضلاً عن سلبِه صفةَ النبوة، كما نعرفها نحن عن نبيٍّ من
    الرسل - صلوات الله عليهم.



    فالآن
    أقضي أَرَبِي من الكتاب الذي وقع لي
    ؛ لأنَّ الأمر فيه يتعلَّق
    بنبيٍّ آخَرَ من أنبياء الله، وهو محمَّد رسول الله - صلَّى الله عليه
    وسلَّم - نعمْ، ليس للويس عوض ذنبٌ في هذا الكتاب، فأنا لا أحبُّ الافتياتَ
    على الناس، ولكن الذي أدهشني أنَّ الأسلوبَين - أسلوبَ كاتبه، وأسلوبَ
    لويس عوض - واحدٌ في أصوله وفي تصاريفه، ولولا أنَّ هذا الكاتبَ يتحلَّى
    بالرزانة، ويحاول أن يراه الرائي مُتَّئِدًا خفيَّ الخطو، بلا عجلة ولا
    تهوُّر - لظننتُ أنَّ هناك عجيبةً وقعت، فغيَّرت اسم "الدكتور لويس عوض"، إلى اسم "الدكتور زاهر رياض"!!



    وإنِّي لَمُحدِّثُك بالخبر، دون مقدِّمات،
    فإن كان في الكلام فضل، أثبتُّ ما كان حقُّه أن يكون مقدِّمةً في آخر
    الكلام، وإن كان الاستغناءُ عن المقدِّمات والمؤخِّرات في هذا الأمْرِ أولى
    وأجمل.



    وعنوان هذا الكتاب: "الإسلام في إثيوبيا، في العصور الوسطى مع الاهتمام بوجه
    خاصٍّ بعلاقة المسلمين والمسيحيين
    "، وهو عنوان حسن، في موضوع حسن،
    ويبدأ البابُ الأوَّل بدءًا كريمًا، فيقول ما نصُّه:

    "جهر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم
    - بالدعوة، فوجدَ فيها العربُ هدمًا لِمَا ألِفوه من معتقدات، وخروجًا
    عمَّا اعتادوا أن يعبدوه، ولكن هذا لا يُقاس بما وجدَه أغنياءُ قريش من
    تقويضٍ لسُلطانهم، ومنصرَف عن لذَّاتهم التي اعتادوها، فناصبوه العَداءَ،
    وأجمعوا على محاربته والقضاءِ على دعوته".



    وأدعُ
    ما في الكلام من تَظاهُر المرء بما لا يعتقدُه دِينًا حقًّا ويقينًا
    ،
    وهو أمرٌ غير محمود، وإن كنتُ أرجو ألاَّ يكون عليه بأسٌ من ذلك - إن شاء
    الله - وعسى ولعلَّ.



    ولكن بقيَّة الكلام كلام فيه تظاهُر من
    نوعٍ آخَرَ، وهو التفلسُف في عِلل التاريخ، وذلك أنَّه زعمَ أنَّ رسول الله
    - صلَّى الله عليه وسلَّم - لَمَّا جهر بالدعوة، أنكرتِ العربُ ذلك؛
    لخلافه لِمَا اعتقدوه وما عبدوه، ثم استثنى منهم أغنياءَ قريش، وعلَّل
    عداوتَهم بأنَّهم خافوا أن يُقوِّض سلطانَهم، ويَحُولَ بينهم وبين لذَّاتهم
    التي اعتادوها!!



    وهذا
    عجب
    ؛ لأنَّ الأمر إمَّا أن يكون مأخوذًا من السِّيَر الموثوق
    بروايتها، أو يكون منزوعًا من التوهُّم والتخرُّص، والسِّير بإجماعها لا
    تقول شيئًا مِن هذا، ولا تدلُّ عليه؛ لأنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه
    وسلَّم - لَمَّا بُعِث في مكَّة، ظلَّ يدعو أهل مكَّة - وهم قريش -
    مستخفيًا ثلاثَ سنين أو أربع، إلى أن أَمَره الله بإظهار الدعوة بقوله: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ* وَاخْفِضْ
    جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ
    إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ
    ﴾ [الشعراء: 214 - 216]، وعشيرته
    الأقربون: هم قريش أيضًا، فأسلمَ في فترة إخفاء الدعوة عددٌ قليل جدًّا،
    جُلُّهم من قريش.



    فلمَّا
    أعلن الدعوةَ ودعَا قريشًا، وهم عشيرته الأقربون، تردَّدتْ قريش في أمرِها
    ،
    وراعَهم ما يدعوهم إليه، ولكنَّهم لم ينكروا عليه شيئًا من ذلك حتى عاب
    آلهتَهم، وسفَّه أحلامَهم، وذمَّ ما كان عليه آباؤهم، وأخبرَهم أنَّ
    آباءَهم في النار، فعند ذلك أبغضتْه قريش غضبًا وحميَّةً، فعادَوْه، وأخذوا
    مَن آمن به بالأذى والعقوبة والنَّكال، وظلَّ الأمرُ على ذلك، ورسول الله -
    صلَّى الله عليه وسلَّم - يَدْعو قومَه قريشًا إلى الإيمان بالله،
    ويُنذِرُهم بالنار إن كذَّبوه، ويُبشِّرهم بالجَنَّة إن أطاعوه واتَّبعوه.



    فهذا ظاهرُ ما في السِّير جميعًا، وهو
    الذي يَدلُّ عليه تنزيل القرآن منجَّمًا على أحيانه التي نزل فيها، فإنَّ
    جُلَّه في دعاء قريش إلى توحيد الله – سبحانه - ونَبْذ الأوثان، وخَلْع
    الأنداد التي اتَّخذوها لله شُركاء، والاحتجاج عليهم في ذلك كلِّه بالحُجج
    البيِّنات، وما يتخلَّل ذلك من الدَّعوة إلى مكارمِ الأخلاق، مِن بذْل
    المال وإكْرام اليتيم، واتِّقاء الفواحش، وحِفْظ الفروج، وسائر المكارِم
    التي دعَا الله إليها عبادَه، والتي كانتِ العرب تتخلَّق، أو تحبُّ أن
    تتخلَّق بها في جاهليتها من إرْث أبيها إسماعيل، وهي الحنيفيَّة دين
    إبراهيم - عليهما السلام.



    أمَّا ما كان يحول بين قريش ولذاتها،
    كالخمر، والميسر، وأشباهها، فإنَّ تحريمَها لم ينزل إلاَّ بالمدينة، بعدَ
    الهجرة، وما فيه تكليفٌ يَشقُّ من الزَّكاة والصَّدَقات وسائر الأحكام،
    فكلُّ ذلك أيضًا كان ممَّا نزل بالمدينة.



    إذًا؛ فهذا التعليلُ الذي ذَكَره الأستاذ
    لِمَا كان من عداوة قريش رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - باطلٌ، وهو
    فيه متابِع لكثير من سُخَفاء المستشرِقين وأشباههم، بما في ذلك "تقويض السُّلْطان"؛ لأنَّ الأمر لم
    يكن بهذا الوضوح يومئذٍ، وإنَّما يقول ذلك مَن أخطأ النَّظَر، وسَحَب ما
    صار إليه أمر الإسلام من الظُّهور والغَلبة بعدَ زمانٍ طويل جدًّا على ما
    كان في نَأْنَأة الإسلام؛ أي: في أوَّله، قبل أن يَقوَى، ويكثر أهلُه
    وناصروه والداخلون فيه، فهو عندَ الناس يومئذٍ ضعيف، وأنَّى لقريش أن تعرفَ
    على كثرتها وغلبتها وخُيلائها أنَّ نفرًا لا يُعدُّون أربعين رجلاً، أن
    تكون لهم الغَلبةُ في الأرض، فيُقوِّضوا سلطانهم؟! هذا عجيبٌ، ولا ريب.



    وظلَّ
    أمرُ الدعوة محصورًا، أو يكاد يكون محصورًا في قريش
    ، إلى أن كانتْ
    سنة سبع من النبوة، فائتمرتْ قريش، وكتبوا كتابًا يتعاقدُون فيه ألاَّ
    يُناكِحوا بني هاشم وبني عبد المطلب؛ رَهْطَ رسول الله - صلَّى الله عليه
    وسلَّم - ولا يُبايعوهم، ولا يُجالسوهم، حتى يُسلِّموا إليهم محمدًا -
    صلَّى الله عليه وسلَّم - وكتبوا الصحيفة وعلَّقوها في الكعبة، وانحازتْ
    بنو هاشم، مؤمنُهم وكافرُهم سنةَ سبع في شِعْب أبي طالب، وبَقُوا في
    الشِّعب محصورين لا يخرجون إلاَّ مِن موسم إلى موسم ثلاثَ سنين؛ أي: إلى
    سنة عشر من النبوة، حتى نُقِضتِ الصحيفةُ، وخرج رسول الله - صلَّى الله
    عليه وسلَّم - من الشِّعب، فكان أوَّل خروجه بعد ذلك في الدعوة إلى دِين
    الله، إلى الطائف في شوال سنة عشر، ثم كان بعد ذلك بمدَّة، أن ذهب رسول
    الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَعرِض نفسَه على قبائل العرب أيَّام
    الموسم، ويدعوهم إلى الإسلام، ويخرُج وراءَه أبو لهب - تبَّتْ يدُه - وهو
    عمُّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ورسولُ الله - صلَّى الله عليه
    وسلَّم - يقول لقبيلة قبيلة في الموسم: ((مَن رجلٌ يحملني إلى قومِه،
    فيمنَعُني حتى أبلِّغَ رسالة ربي، فإنَّ قريشًا منعوني أن أُبلِّغ رسالةَ
    ربي؟))، فيقول أبو لهب - تبَّتْ يده -: "لا تسمعوا منه فإنَّه كذَّاب"،
    فكانت أحياء العَرَب تتحاماه لِمَا تسمع من قول أبي لهب - تبَّتْ يدُه -
    ولِمَا كانوا يسمعونه من قريش مِن قولهم فيه: كاذِب، وساحِر، وكاهن، وشاعر.



    وإذًا؛ فتقديمُ الأستاذ ذِكْر "العرب" في إنكار دعوة رسول الله -
    صلَّى الله عليه وسلَّم - على ذِكْر "قريش"
    لا يُطابِق شيئًا من السِّير، ثم خصه قريشًا في إنكار الدعوة بما خصَّها
    به، وتأخير ذكر العرب، وهو اللَّفْظ الجامع الذي تدخُل فيه قريش وغير قريش -
    لا يُطابِق أيضًا شيئًا من السِّير، وإذًا فهو كما قلت، لا ينتهي إلاَّ
    إلى التوهُّم والتخرُّص، وإظهار التفلسُفِ في التاريخ بلا أصل من منطق
    قويم.



    وإلقاءُ
    هذا الكلام إلقاءً مجرَّدًا كأنَّه شيء مُسلَّم مقطوع به، هو داء لويس عوض
    ،
    الذي ظهرتْ أعراضُه فيما كتَبَه عن شيخ المعرَّة - كما أسلفتُ بيان ذلك -
    ومهما يكن مِن شيء، فإنَّ الأمر لو قد بلغ هذه الغايةَ ووقف عندَها، لَمَا
    كان على الأستاذ الفاضل بأسٌ، بل يُقال له ما كان يقال في المثل: "ليس بعشُّكِ فادرجي"؛ (أي: ليس هذا من الأمر الذي لك به عِلمٌ
    فدعه
    ).



    وأيضًا عسى أن يكونَ معذورًا، فإنَّ هذا
    الخلط متفشٍّ عند جمهرة من أدعياء الكتَّاب في زماننا، نقلاً عن المرض
    المتفشي في كتب الذين طمس الله على عيونهم وعقولهم، إذا ذكروا رسولَ الله -
    صلَّى الله عليه وسلَّم - من المستشرِقين أو المبشِّرين، والمستشرقون
    والمبشرون هم في الحقيقة جماعةٌ لم يَصلُحوا لشيء في بلادِهم، أو لم
    يُطيقوا أن يكونوا شيئًا مذكورًا، فيسَّرهم الله لما يسَّرهم له من
    الاستشراق أو التبشير، ولو أنَّ أحدهم كتب كتابًا في تاريخ أمَّتِه، بمثل
    العقل والمنطق اللَّذَين يكتب بهما في تاريخ الإسلام، لكان مصيرُ ما يُطبع
    منه أن يظلَّ مطروحًا عندَ ناشرِه، حتى يفتحَ الله عليه فيبيعه بالجملة
    لِمَن يستعمله لشيء يُتقزَّز منه غير القراءة.



    هذا ما قاله في (ص: 15) من كتابه، فلا
    نكاد نصل إلى (ص: 30) وما بعدَها، حتى نكونَ قد قطعْنا شوطًا بعيدًا جدًّا
    في ضروب من العِلم تقول فيها: نعم، يا سيِّدي، ولا، يا سيِّدي، ثم تنتهي
    إلى قوله: "وتقول المصادر العربية: إنَّ ملك إثيوبيا؛ يعني: ملك الحبشة،
    كما سأذكر ذلك فيما سيأتي، كان يُسمَّى الأصحم أو أصحمة، وهو اسم لا نجده
    في "كبرانجست" الذي يحوي
    أسماءَ ملوكهم، ممَّا يدعونا إلى الاعتقاد أنَّ الذي استقبل المسلمين
    وأكرمَهم ومنحَهم حمايته لم يكن غير البحر نجش؛ أي: حاكِم الولاية
    الإثيوبية البحرية".



    ولا
    أدري، على التحقيق، ما هي هذه "المصادر
    العربية
    " التي يُشيرُ إليها الأستاذ
    ، لا أدري لماذا أبهمَها
    كلَّ هذا الإبهام؟ بل أنا أدري، ولكن لعلَّ القرَّاء لا يدرون، فاسم "أصحمة" الذي لم يجدْه الأستاذ في "كبرانجست" نجده نحن فيما هو أصدقُ
    صِدقًا من "كبرانجست"، ففي
    الحديث الصحيح عن جابر بن عبدالله صاحبِ رسولِ الله - صلَّى الله عليه
    وسلَّم - قال: قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين مات النجاشي:
    ((ماتَ اليومَ رجلٌ صالِحٌ، فقوموا فصَلُّوا على أخيكم أصحمة))؛ هذا لفظ
    أبي عبدالله البخاري في صحيحه، في كتاب مناقب الأنصار، باب موت النجاشي،
    ورواه مسلم في صحيحه عن جابر: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
    ((مات اليومَ عبدٌ لله صالح، أصحمة، فقام فأمَّنا، وصلَّى عليه)).



    وحسبُك بهذَين ممَّا فيه ذكر "أصحمة" من الحديث الصحيح، أمَّا ما
    فيه ذِكْر "النجاشي" دونَ
    تعيين الاسم، فكثيرٌ، وكلُّها دالٌّ على أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه
    وسلَّم - سمَّاه "أخًا"
    للمسلمين، وصلَّى عليه صلاةَ الغائب، والذي لا ريبَ فيه: أنَّ رسول الله -
    صلَّى الله عليه وسلَّم - لم يُصلِّ قطُّ على غير مؤمن بالله ورسوله، لا
    يهودي ولا نصراني ولا منافِق، فهذا النجاشيُّ الذي نَزَل عنده المسلمون،
    كان قد أسلمَ ولا شكَّ، ومات في رجب سنة تسع، كما قال الطبريُّ وغيره، أو
    قبل الفتح، كما قال بعضُهم.



    وليس معقولاً أن يكون رسولُ الله - صلَّى
    الله عليه وسلَّم - قد سمَّاه "أصحمة"
    من عند نفسِه، وهو غنيٌّ عن أن يذكرَه، إذا لم يكن هذا اسمه الذي عَرَفه
    به الناس، ولا سيَّما المهاجِرون إلى الحبشة، وقد عادوا إلى المدينة سنة
    سبع بعدَ الهجرة، بعد أن أرسل رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى
    النجاشيِّ أصحمة كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، مع عمرو بن أُميَّة
    الضَّمْري، فأسلم، وكتب إليه أيضًا أن يُزوِّجه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان،
    وكانتْ فيمَن هاجَر إلى الحبشة، فزَوَّجه إيَّاها.



    فهلْ هناك طريقٌ إلى معرفة اسم النجاشيِّ،
    هو أوثقُ من هذا الطريق، الذي تدلُّ عليه كلُّ هذه الروابط والصِّلات؟! لا
    أظن، وإن رَغِم أنف "كبرانجست
    وإذا كان "كبرانجست" قد أغفل
    اسمَ هذا النجاشي، فأوْلى أن يُقال: إنَّ إغفالَه إنَّما جاء مِن قِبَل
    أنَّ الرجل أسلم، قبل وفاتِه بنحو سنة أو سنتَين، فحَذَف اسمه من جريدةِ
    ملوكِهم، وهم الملوك الذين يَدينون بالنصرانيَّة، أليس كذلك؟! أو على
    الأقلِّ، أليس هذا رأيًا أشبهَ بالصواب؟!



    ولكنَّ الأستاذ الذي عُنِي كلَّ العناية
    في هذا الموضع (ص: 30) بإبهام "المصادر
    العربية
    " عُنِي في (ص: 46) بالإشارة إلى تاريخ الطبريِّ في حوادثِ
    سنة ستٍّ من الهجرة، وفصل بين الموضوع الأوَّل، وهو ذكر "أصحمة" باسمه، وبين موضوع إسلامِه
    الذي دَلَلْنا عليه آنفًا فقال:

    "وفي سنة ستٍّ أرسل النبيُّ - عليه الصلاة
    والسلام - (هذه الصلاة مِن المؤلِّف
    نفسه)
    إلى النجاشيِّ كتابًا يدعوه إلى الإسلام، فاستقبلَه
    النجاشيُّ استقبالاً حسنًا، ووضعَه على رأسه وأسلم، على ما تقول المصادرُ
    الإسلاميَّة، وإن كنَّا لا نجد لهذا سندًا مطلقًا في المصادر الأثيوبية؛ (يعني: الحبشية)، ولكن ما عُرِف عن
    الأثيوبيِّين؛ (يعني: أهل الحبشة)
    مِن تمسُّكٍ بدينهم يلقي ظلاًّ من الشكِّ على هذه الرواية، كما أنَّ
    الرواية توحي بالتكذيب أكثرَ مما توحي بالتصديق، فقد ذكرت أنَّه أرسلَ
    رَدَّه مع ابنه (أريحا)، ومعه
    سِتُّون رجلاً ركبوا البحر، وسارتْ بهم السفينة، حتى إذا توسَّطت البحر،
    هاجتْ عليها رِيحٌ فأغرقتْها ومَن فيها، ويظهر أنَّ المؤرِّخين المسلمين
    عُنوا بإنقاذ الكتاب، فأتوا لنا بنصِّه، أكثر مما عنوا بإنقاذ أصحابِه"،
    انتهى الأستاذ الفاضل مِن سخريته بالمؤرِّخِين المسلمين!



    وهذا
    بلا شكٍّ شيءٌ غير لائق، أن يوهِمَ القارئَ أنَّه رجع إلى تاريخ الطبريِّ
    ،
    وقرأه بعينيه اللَّتين يبصر بهما، ثم يقول ما قال عن "المؤرِّخين المسلمين" بهذا التعميم المستشنَع،
    ولو حَدَث ما قاله، وكان هذا أو مثله عندَ "المؤرخين المسلمين"، لنفضْنا نحن أيديَنا منهم منذ زمان، من
    قبلِ أن يستطيع مثلُ الأستاذ زاهر رياض أن يخطَّ حرفًا على ورق، وهذا
    الأسلوب هو نفس أسلوب المسمَّى لويس عوض، أو كأنهما ينبعان معًا من منبع
    واحد!



    ولو تَركْنا كلَّ كتاب، ولم نعد إلاَّ إلى
    كتب التاريخ، لرأينا ابن سعْد في طبقاته الكبرى (1/ 2/ 15، 16) حين ذكر
    بعثةَ رسول الله - بأبي هو وأمِّي - بكتبه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام
    يقول: "فكان أوَّل رسولٍ بَعَثَه رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
    عمرو بن أُميَّة الضَّمْري إلى النجاشي، وكتب إليه كتابَين، يدعوه في
    أحدهما إلى الإسلام، ويتلو عليه القرآن، فأخذ كتابَ رسولِ الله - صلَّى
    الله عليه وسلَّم - فوضَعَه على عينيه، ونَزَل من سريره على الأرض تواضعًا
    ثم أسلم، وشَهِد شهادةَ الحق، وقال: لو كنتُ أستطيعُ أن آتيَه لأتيتُه.



    وكتب إلى رسول الله - صلَّى الله عليه
    وسلَّم - بإجابته وتصديقه، وإسلامِه، على يدي جعفر بن أبي طالب لله ربِّ
    العالَمين، وفي الكتاب الآخَرِ يأمره أن يُزوِّجه أمَّ حبيبة بنتَ أبي
    سفيان بن حرْب، وكانت قد هاجرتْ إلى أرض الحبشة، مع زوجِها عبيدِالله بن
    جحش الأسدي، فتنصَّر هناك ومات.



    وأمرَه
    رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الكتاب أن يبعث إليه بِمَن
    قِبَله من أصحابه ويحملهم
    ، ففعل فزوَّجه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان،
    أصدق عنه النجاشيُّ أربعَمائة دينار، وأمر بجهاز المسلمين وما يُصلحهم،
    وحمَلَهم في سفينتَين مع عمرو بن أمية الضَّمْري، ودعا بِحُقٍّ من عاج،
    فجعل فيه كتابي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقال: لن تزالَ
    الحبشةُ بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرها"، فهذا قول محمد بن سعد
    المتوفَّى سنة 230 من الهجرة، (وانظر
    أيضًا ابن سعد 1/ 139
    ) مثله انظر ما يأتي (251).



    ثم يأتي أبو جعفرٍ الطبري، المؤرِّخ
    الثاني، المتوفَّى سنة 310 من الهجرة، فيذكر في حوادث سنة ستٍّ من الهجرة،
    ناقلاً بإسناده عن محمد بن إسحاق صاحبِ السِّيرة (المتوفَّى سنة 151 من
    الهجرة) قال: "بَعَث رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عمرو بن أمية
    الضَّمْري إلى النجاشي، في شأنِ جعفر بن أبي طالب وأصحابه، وكتب معه
    كتابًا: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي الأصحم،
    ملك الحبشة: ((سَلْمٌ أنت، فإنِّي أحمدُ الله إليك، الملكَ القدوس، السلام
    المؤمن المهيمن، وأشهدُ أنَّ عيسى ابن مريم رُوحُ الله وكلمتُه ألْقاها إلى
    مريمَ البتول الطيِّبة الحصينة، فحملتْ بعيسى، فخَلَقه الله من رُوحه
    ونفخه، كما خلق آدمَ بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحدَه لا شريكَ له،
    والموالاة على طاعتِه، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإنِّي رسولُ الله،
    وقد بَعْثتُ إليك ابن عمِّي جعفرًا، ونفرًا معه من المسلمين، فإذا جاءك
    فاقْرِهم (أي: أحسن إليهم)، ودعِ التجبُّر، فإني أدعوك وجنودَك إلى الله،
    فقد بلّغتُ ونصحت، فاقبلوا نُصْحي، والسلام على مَن اتبع الهُدى)).



    فكَتَب النجاشيُّ إلى رسول الله - صلَّى
    الله عليه وسلَّم -: "من النجاشيِّ الأصحم بن أبجر، سلامٌ عليك يا نبيَّ
    الله ورحمة الله وبركاته، مِن الله الذي لا إله إلاَّ هو، الذي هداني إلى
    الإسلام، أمَّا بعد، فقد بَلَغني كتابُك يا رسول الله، فيما ذكرتَ من أمر
    عيسى، فوربِّ السماء والأرض إنَّ عيسى ما يَزيد على ما ذكرتَ ثفروقًا،
    إنَّه كما قُلتَ، (والثفروق: هو
    العَلاقة التي تتعلَّق بها نواةُ التمرة إلى قِمَعها
    )، وقد عَرفْنا
    ما بُعثتَ به إلينا، وقد قَريْنا ابنَ عمِّك وأصحابه، فأشهد أنَّك رسولُ
    الله صادقًا مصدَّقًا، وقد بايعتُ، وبايعتُ ابنَ عمِّك، وأسلمتُ على يديه
    لله ربِّ العالمين، بعثت إليك بابني أرها بن الأصحم بن أبجر، فإنِّي لا
    أملك إلاَّ نفسي، وإن شئتَ أن آتيَك فعلتُ يا رسول الله، فإنِّي أشهد أن ما
    تقول حق، والسَّلام عليك يا رسول الله".



    ثم يقول ابن إسحاق في إثر ذلك: "وذُكِر لي أنَّ النجاشيَّ بعث ابنَه في
    ستِّين من الحبشة في سفينة، فإذا كانوا من وسط البحر غرقتْ بهم سفينتهم،
    فهلكوا
    ".



    وهذا
    كلامٌ واضحٌ لِمَن يحسن أن يقرأ بالعربية
    ، من لا تعبث بعقله أو
    نفسه عوابثُ التهيج الدفين، فبعثة النجاشي ولده "في ستين من الحبشة"، الذي ذَكَره ابن إسحاق بصيغة
    التمريض والتضعيف، وهي "وذُكِر لي"
    لا عَلاقةَ لها بالخبر المذكور قبلَها البتة.



    هذا على أنَّه ليس بمعقول أن يرسلَ نبيٌّ
    أو مَلِك أو سلطان إلى ملِك أو سلطان، رسولاً معه كتاب، فيجعل الردَّ مع
    غيرِ الرسول الذي حمل إليه الرِّسالة، هكذا المعهود في آداب السِّفارة
    والرِّسالة والبعثة، هذه واحدة.



    وأمَّا الأخرى، فإنَّ "مؤرخي المسلمين" الذين يتلعَّب
    الأستاذ بهم ويسخر، ويحاول أن يُضحِكَنا منهم بخفَّة دمِه، يعلمون أن عمرَو
    بن أمية الضمريَّ رسولَ رسولِ الله إلى أصحمة عادَ إلى المدينة، ومعه جعفر
    بن أبي طالب وأصحابُه؛ كما قال الطبريُّ وسائر المؤرخين، وأنَّه بقي حيًّا
    إلى أن مات في زمان معاوية - رضي الله عنه - سنةَ ستِّين من الهجرة، فهو
    الخليقُ بأن يعرف نصَّ ما أرسل به إلى النجاشي، وما أرسله النجاشي معه،
    ومِن طريقِه روى الرواةُ الكتابَيْن المذكورَين، فإنقاذ كتاب النجاشي جاء
    عن هذا الطريق، لا عن طريق ما خلط فيه الأستاذ الجامعي (أيضًا!!)، وهو يقرأ هذه النُّصوص.



    وخبر بعثةِ النجاشيِّ ولدَه مع ستِّين
    رجلاً من الحبشة جائزٌ جدًّا، وغرق السفينة بهم جائزٌ جدًّا، ولكن العبث
    بالنُّصوص، ثم السُّخرية بمؤرِّخي المسلمين بعد نسبةِ هذا العبث إليهم، ليس
    بجائز أبدًا.



    وأغربُ ما في تمام هذا الكلام أنَّه بعد
    أن أثبت بطلانَ إسلام النجاشي في (46) قال في (ص: 47): "ومات النجاشيُّ سنة
    تسع من الهجرة، فسرعان ما عَلِم النبيُّ بالخبر، فدَعَا أصحابه وصفَّهم
    خلفه، وصلَّى بهم عليه، وهذا هو الأصل في صلاة الجنازة على الغائب"،
    فبالذمة (وإن لم يكن هذا القَسَم من
    أيماننا التي نُقسم بها
    ) هل يَعقِل إنسان أن نبيًّا جاء بدِين
    يُخالِف الدِّينَ الذي عليه جماعة من الناس، يمكن أن يُقيمَ صلاة الجنازة
    على رجل منهم هو عنده في دينه ضالٌّ عن الحقِّ الذي بُعِث؛ ليدعوه إلى
    اتِّباعه، ومجانبةِ ما كان مقيمًا عليه من الدِّين الأول؛ ليكونَ هذا أصلاً
    في شَرْع صلاة الجنازة على الغائب؟! ألم يجد ميتًا سوى هذا الميت يشرع به
    الصلاة على الغائب؟! مَن الذي علَّم الأستاذَ هذا الفقهَ في دين المسلمين؟!
    ليكنْ مَن يكون، فإنَّه ليس أمرًا ذا بال، بعد هذا اللفِّ الطويل في
    السراديب، حتى يبلغ مأربَه في تكذيب الأخبار التي رُويت بالأسانيد الصِّحاح
    عن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعن عملِه الذي هو جزءٌ من
    دِيننا.



    ونعود
    مرَّةً أخرى إلى حيث ابتدأْنا
    ، بلا محاولة في تشقيق الأمر بأكثرَ
    من هذه الدلالة على خُبْث المقصد؛ فهذا الأستاذ رَوَى في (ص: 19) ما كان من
    أمْر الهجرة إلى الحبشة فقال: "فلمَّا رأى الرسول - عليه السلام - (هذه الصلاة من عند الأستاذ) ذلك
    رقَّ قلبُه لأنصاره، وخاف عليهم أن يُفتنوا؛ (يعني: تعذيب المشركين للمسلمين)، فأشار عليهم أن
    يَفِرُّوا بإيمانهم، ويهاجروا إلى بلاد (الحبشة)، فإنَّ بها مَلِكًا لا يُظلم عنده أحد، ثم عاد في
    (ص: 30) التي كنَّا قد نقلْنا منها النصَّ السالف، فقال: "يقول النبي -
    صلَّى الله عليه وسلَّم -: لو خرجتم إلى أرض (الحبشة)، فإنَّ بها مَلِكًا لا يُظلم عنده أحد"، وهو
    يُصرُّ على وضْع (الحبشة) بين
    قوسين؛ لأنَّه كان يريد أن تكون (إثيوبيا
    فعَفَا عنها في هذه المواضع، ثم يقول في (ص: 31): "أمَّا أنَّ ملك (الحبشة) لا يُظلَم عنده أحد، فهذا حق"،
    ويظلُّ يأتي بالأدلة على صِدْق هذه المقالة، إلى أن يقول (ص: 33):
    "فالمتتبِّع إذًا لتاريخ إثيوبيا منذُ أقدم العصور، حتى القرن الرابع عشر
    الميلادي - بهذا التحديد البديع لسبب يتبيَّن من قراءة كتابِه، ليس مِن
    شأني هنا أن أُفصِّلَه - لا يَجِد مكانًا للعداوة الدِّينيَّة، وما يتبعها
    من جَدَل دِيني وحروب دِينيَّة، تقوم على أساس فرْضِ ديانة بعينها، أو
    إرغام فريقٍ من الناس على اعتناق أو تَرْك أي مذهَب من المذاهب، وهذا ما
    عَنَاه النبيُّ - عليه السلام - بقوله: إنَّ مَلِك (الحبشة) مَلِكٌ لا يُظلم عنده أحد.



    وهذا كلام حسن، أو نصف حسن، أو ربع حسن،
    أو دون ذلك، فصبًّا (نقيض قولك:
    فصاعدًا
    ) وهو كلام كان يحسن السُّكوت عليه، بَيْد أنَّ الأستاذ لم
    يُرِدْ أن يسكت، فقال بعد ذلك مباشرة: "ولكن مَن أين عَرَف النبيُّ ذلك؟"،
    سؤال مهمٌّ جدًّا، لا يَستغني عنه كتابُه الفريد في نوعه!!



    وفي
    الجواب عنه يَسلُك نفسَ السلوك الذي سَلَكه لويس عوض في أمْر شيْخ
    المعرَّة
    ، والقارئ يذكُر أنَّه كان يسوق الكلام عن شَيْخ المعرَّة،
    كأنَّه بديهية من المُسلَّمات قد فرغ العِلمُ كلُّه من تمحيصها، كما ذكرتُه
    في أول المقالة الأولى، حيث قال: "وقد
    تعلَّم المعريُّ في اللاَّذقية، كما تعلَّم في أنطاكية..
    " إلى آخر
    هذه القصة المملولة، فيقول الأستاذ رياض، في جواب سؤال نفسه: "أرى أنَّ هذه
    المعرفةَ ترجع إلى مصادر ثلاثة وهي:

    أولاً: مَن كان بمكَّة من إثيوبيين (أي: أحباش)، فجميع المصادر تُجمِع
    على أنَّ العلاقاتِ بين إثيوبيا (ويعني
    الحبشة أيضًا
    ) والحجاز في ذلك الوقت كانتْ وثيقةً مستمرَّة، وعاش
    بمكَّة كثيرٌ من التجَّار الإثيوبيِّين (أظن القارئ عَرَف مَن هم) الذين استطاعوا أن يؤسِّسوا تجارةً
    ناجحة، وكان النبي - عليه السلام - (السلام
    عليه من المؤلف
    ) في شبابِه عازفًا عن معاشرة لِدَاتِه من العرب،
    ومشاركتهم فيما هم فيه مِن لهو ومُتعة، بل كان يُعاشِر أهلَ الكتاب، ويسمع
    منهم، ويتعلَّم (يتعلم" هكذا بصريح
    العبارة كما يقولون!
    )، فهل نستبعد (حاشا لله يا عزيزي) أن يكونَ النبيُّ - عليه السلام - قد
    اختلطَ بِمَن اختلط بهم من الكتابيِّين إثيوبيين عَرَف منهم أمرَ إثيوبيا
    وحالها؟ هذا إلى أنَّ استمرار العلاقة بين إثيوبيا والحجاز وسرعتها حملتْ
    إلى تلك البلاد أنباءَ الدعوة الجديدة، فأتى منهم كثيرون يبحثون عن هذا
    النبيِّ الجديد؛ ليسمعوا منه، ويؤمنوا به".



    وكان
    الأمرُ واضحًا لو اقتصر هذا الكاتبُ على أن يذكرَ ما زعم من وجود تجَّار
    الحبشة بمكَّة
    ، وأن عسى أن تكون أخبارُ أصحمة الملك النجاشي في
    عَدْله وحِكمته قد كانتْ معروفةً في مكَّة، ولا يرتاب أحد أنَّ ذلك ممكن
    عندئذٍ أن يكون كما قال الكاتب، سواء أكان الدليلُ موجودًا على وجه
    القَطْع، أم مستظهرًا من بعضِ القرائن، ولكن ليس شرطًا أن يكون تجَّار
    الحبشة "من الكتابيِّين
    لأنَّ التاريخ، الذي يشهد هو على صِدْقِه في كتابه يدلُّ على أنَّ أهل
    الحبشة كانوا على ديانات مختلفة، منها اليهوديَّة، ومنها النصرانية، ومنها
    سائر الوثنيات المختلطة، ولا يستطيع هو، ولا أحدٌ غيره، أن يقطع بأنَّ
    اليهودية والنصرانية كانت يومئذٍ هي الغالبةَ على الحبشة، فربَّما كان
    الأرجحُ أن يكون الأمر يومئذٍ كان على خِلاف ذلك؛ أعني: أنَّ اليهودية
    والنصرانية كانت قلَّةً في تعداد سكَّان أرض الحبشة.



    ومع ذلك فهذا أمرٌ لا يَعنيني الآنَ في
    شيء، ولكن الذي يعنيني ويعني كلَّ مسلِم، ثم كلَّ امرئ لا يُخالِط ضميرَه
    الهوى من غير المسلمين، هو هذه العبارة التي أقحمَها الكاتب، بلا مُسوِّغ
    معقول، وهي قوله: "كان النبي - عليه السلام - في شبابه عازفًا عن معاشرة
    لِدَاته من العرب، ومشاركتهم فيما هم فيه مِن لهو ومتعة" هذه الأولى،
    والثانية: "بل كان يُعاشر أهلَ
    الكتاب، ويَسمع منهم ويَتعلَّم
    "، ما هذه المسلَّمات البديهيَّة؟! من
    أين يأتي بها هذا الظريفُ الجديد؟!



    مَن قال له: إنَّ النبي - صلَّى الله عليه
    وسلَّم - في شبابه، "كان عازفًا عن
    معاشرةِ لِدَاته من العرب
    "؟! أنا أعلم بلا شكٍّ من أين أتى بهذا
    الكلام، هذا شيءٌ قديم كنَّا نسمعُه ونحن أطفال من القسيس "زويمر" وأشباهه من المبشِّرين
    المتسكِّعين في طرقات الأرض، وهو كلامٌ كانوا يُخايلون به الأطفالَ
    والعوام، لَمَّا أتاح لهم سلطانُ الاستعمار أن يتجوَّلوا في بلادنا كما
    شاؤوا، بلا أحد يدفع عن الناس هذا السُّخْف الساخف (هكذا جرت الكلمة، والأمر لله)، أو تدري مِن أين
    كان يستخرجُه هذا القسيسُ المريض؟ من حديث محمَّد بن إسحاق، عن محمد بن
    عبدالله بن قيس بن مخرمة، عن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، عن أبيه،
    عن جده علي بن أبي طالب قال ]موارد
    الظمآن رقم (2100)، (2150)، عيون الأثر (1)، (44)، (45)
    ]:

    "سمعتُ رسول الله - صلَّى الله عليه
    وسلَّم - يقول: ((ما هممتُ بشيءٍ ممَّا كان أهل الجاهلية يعملون به إلاَّ
    ليلتين، كلتاهما عَصَمني الله فيها، قلتُ ليلةً لبعض فتيان مكَّة، ونحن في
    رِعاء غنمِ أهلها: أَبْصِرْ غنمي، حتى أدخلَ مكة أسمرُ فيها كما يسمُر
    الفتيان، فقال: بلى، قال: فدخلتُ حتى جئت أوَّل دار من دور مكة، سمعتُ
    عزفًا بالغرابيل والمزامير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: تزوَّج فلانٌ فلانة،
    فجلستُ أنظر وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلاَّ مسُّ الشمس"، وذكر
    المرة الأخرى مثلها.



    وإسناد الحديث فيه نظر، وهو عند
    المُحدِّثين غريب، ومع كل ذلك، فليس فيه شيءٌ يدلُّ على أنه كان عازفًا عن "معاشرة لداته من العرب"، وأيُّ
    امرئ يعقل هذا أن يكون؟! ألم يكن لِلِدَاته عملٌ إلاَّ اللهو والمتعة
    بالليل والنهار، حتى يعزفَ عن معاشرتهم؟! بأيَّة عقول يُفكِّر هؤلاء
    الناس؟!



    ولكن
    هكذا يُريدون
    ، فإذا كان كلُّ لِدَاته من أهْل مكَّة لا عملَ لهم
    إلاَّ اللهو والمتعة - والحديثُ دالٌّ على أنَّه لم يهمَّ بشيء من ذلك
    إلاَّ مرَّتَين - فهو إذًا لم يكن يُعاشِر لِدَاته، وإذا كان لم يعاشر
    لداته، فمَن يعاشر؟ يُعاشر أهلَ الكتاب، لماذا؟ لأنَّ أهل الكتاب من
    الأحباش، وغير الأحباش، ممن كان بمكَّة، لا يمكن أن يكون من أهل اللهو
    والمتعة، ولماذا؟ لأنَّهم أهلُ الكتاب!! وبهذا المنطق السليم الذي لا عيبَ
    فيه، إلاَّ أنَّه منطق مُبشِّرين، ومَن كان على شاكلتهم قديمًا أو حديثًا
    في اضطراب موازين الإدراك الإنسانيِّ، يستطيعون أن يَصِلُوا إلى النتيجة
    التي يطلبونها، وهي أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - "كان يُعاشِر أهلَ الكتاب، ويسمع منهم
    ويتعلَّم
    "!!



    هذه - بلا ريب - بديهياتٌ ينبغي أن
    يقرأَها شبابُ المسلمين وشيوخُهم ويستفيدوها من القسيس "زويمر"، ومِن الأستاذ زاهر رياض،
    بلا اعتراض ولا ارتياب، فهي مُسلَّمات لا يستطيع العقلُ أن ينقضها!! وإلاَّ
    فمِن أين تعلَّم هذا العربيُّ الإسماعيليُّ الذي لم ينحدر مِن رحم سَارَة
    امرأة إبراهيم - عليه السلام - بل من رحم الجارية هاجر المصريَّة التي
    وهبتْها له سارة، فلمَّا حملت بإسماعيلَ صغُرت مولاتها في عينها، فشَكَت
    ذلك إلى إبراهيم، فردَّها إليها، وقال لها: افعلي بها ما شئت، فأذلَّتْها
    سارَةُ، حتى هربتْ هاجر مِن وجهها؟! كما يقولون في توراتهم!!



    ولكنَّ
    الأستاذ لا يقتصر على هذا القَدْر
    ، فإنَّه قَدْرٌ لا يَشفي غليلاً،
    كما لم يَشفِ غليلاً للويس عوض أن يتعلَّم شيخ المعرة في اللاَّذقية
    وأنطاكية، فأضاف إليهما راهب دير الفاروس! وذلك أنَّ القارئ قد يظنُّ أنَّ
    أهل الكتاب هم الذين ذكَرَهم وحسب؛ أي: "التجار الإثيوبيِّين"، فهؤلاء قد يكونون جَهلَة، لا يكادون
    يعرفون من أمور الدِّين والدنيا شيئًا يمكن أن يتعلَّمه أحدٌ، وهم جهلة -
    بلا ريب - عندي أنا على الأقل، فماذا يفعل؟ يمضي من (ص: 34) في خلط كثير،
    لا أُحبُّ أن أقفَ عندَه، حتى يصل إلى (ص: 38) فيقول: "فإذا نَزَل بالنبي -
    عليه السلام - وأصحابه ما كانت تُمطرهم به قريشٌ من اضطهاد وتعذيب، تذكَّر
    ما كانتْ ترويه له أمُّ أيمن مِن أخبار وطنِها (وهذا اكتشافٌ ذكي انفردَ الأستاذ ببيانه في (ص: 37)،
    وأضافه إلى ما عَرَفه من الموالي الإثيوبيِّين، وزاد عليه ما عَرَفه من
    تجارهم وقساوستهم الذين اختلط بهم بمكَّة فيما سَبَق من حياته
    )..
    انتهى.



    هذه مهارةٌ وحسن تصرُّف، فإنَّه لم يُرِد
    أن يضع "القساوسة" في المادة
    الأولى من موادِّ الاتِّهام الثلاث، فأجَّلهم حتى انتهى، ثم جاء بذكرهم
    عرضًا كأنَّه لا يعني شيئًا، وكأنَّ هذا الأمر مسلَّم لا غُبارَ عليه، تنطق
    به كتب "المؤرِّخين المسلمين"
    بلا حاجة إلى دلالةٍ على موضعه، كما فَعَل في أمر إسلام أصحمة النجاشي
    الذي آذاه كلَّ الأذى أن يكون قولُ "المؤرخين
    المسلمين
    " فيه قد بلغ هذه الدرجة المنكرة من السُّوء، ونسبة هذه
    الشناعة إليه، وهي إسلام أصحمة!!



    وأنا
    - بلا ريب - لا أُبالي بما يقوله هذا الأستاذ الجامعيُّ الآخر في مثل هذا
    الشأن
    ، وأظنُّ أنِّي لم أبالِ بمثل ذلك قليلاً ولا كثيرًا، حين
    نقلتُ في المقالة الخامسة، عن عبد المسيح بن إسحاق الكندي ما جاء في كتابه
    الذي طَبَعه المبشِّرون طبعاتٍ كثيرةً ووزَّعوه في كلِّ مكان، وعسى أن
    تكونَ عند الأستاذ منه نسخة، وإلاَّ فإني أتبرَّع بإهدائه نسخة نفيسة منه.



    زَعَم عبد المسيح الكندي بأصرحَ مِن هذا
    الكلام الملفَّف في الألفاظ، المغلَّف بكثرة الصلاة والسلام على نبيِّنا -
    صلَّى الله عليه وسلَّم - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -
    إنَّما هو تلميذ لسرجيوس الراهب، الذي أنكرتْه الكنيسة وطردته، فانتهى إلى
    مكَّة وتلطَّف برسول الله - بأبي هو وأمي - حتى استماله، وتسمَّى عنده
    نسطوريوس، وأزالَه عن عبادة الأوثان، ثم صيَّره داعيًا وتلميذًا له يدعو
    إلى دِين نسطوريوس.



    وأنا
    لا أقول: إني لم أبالِ بهذا، ولم أَحْفِل به
    ؛ لأنَّه أمر هيِّن،
    كلاَّ، بل لأنَّ الذي يقرأ القرآن، ويسمع ما قاله المشركون وغير المشركين،
    لنبي الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويتْلو ذلك مَرَّة إلى آلاف
    المرَّات، يجد أنَّ هذا السُّخْف الذي جرى على لسان عبد المسيح وورثته من
    بعده، لا يُعدُّ سوءَ أدب، بل هو سوءُ عقل، ومَن كلَّف نفسه تتبُّع سوءات
    العقول التي تشبه عقلَ عبد المسيح، أضنى نفسَه في غير طائل، والله - تعالى -
    يقول في سورة النحل: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ
    أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي
    يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ

    ﴾ [النحل: 103].



    فلم يتردَّد أحد من المسلمين في أن يذكر
    الأقوالَ المختلفة في هذا المشار إليه في الآية، قيل اسمه: "بلعام"، وقيل "يعيش"، وقيل "جبر، غلام نصراني"، ويقال: بل "جبر"، وآخر اسمه "يسار"
    كانَا يقرآن التوراة، وقيل: "سلمان
    الفارسي
    "، وظاهر - بلا ريب - عند المسلمين أنَّ القرآنَ لا يُمكن أن
    يكون كلامَ بشر أعجمي، أو غير أعجمي، وظاهر أيضًا بدليل العقل والبصر،
    أنَّ ما في القرآن من القصص الذي يَدَّعي بعضُ الناس فيه ما يدعون، مخالِفٌ
    كلَّ المخالفة لِمَا في التوراة والإنجيل، لا في سياقه فحسب، بل في
    العقائد المتصلة به، التي ترفض ما لا يقبله العقل، كما أسلفتُ في المقالة
    الماضية.



    وقد
    يظنُّ الأستاذ الظنونَ، فيلتمس المخارِج
    ؛ لأنَّه يتوهَّم أنَّه
    بهذا الأسلوب المتداخِل الموحي بلا تصريح، يستطيع أن يقول مبتسمًا: ولكنِّي
    لم أُرِدْ أن أذهب هذا المذهب في تعلُّم رسول الله - صلَّى الله عليه
    وسلَّم - الدِّينَ من تجَّار الأحباش وقساوسة الأحباش، بل أردتُ هذه
    الأخبارَ العامَّة عن أحوال الناس والدنيا، فيقال له: فما الذي حَمَلك إذًا
    على أن تكتب: "كان يُعاشِر أهل
    الكتاب، ويسمع منهم ويتعلَّم
    "؟! ثم حملك على أن تَزيد الأمر وضوحًا
    بالتَّكْرار الملفَّف، فتقول في إثرها: "فهل نستبعد أن يكون - عليه السلام - قد اختلط بمن اختلط بهم من
    الكتابيين إثيوبيين
    "؟! فهذا كلام واضحٌ جدًّا في أنَّ أصناف
    الكتابيين الذين كان قد اختلط بهم كانوا أحباشًا، وغير أحباش، وهم الأكثر.



    وإذا كان الأمرُ أمر أخبار عن مَلِك عادل
    في الحبشة، كتابيًّا كان أو غير كتابي، فما الضَّرَر في أن يكون حامل الخبر
    أيضًا كتابيًّا أو غير كتابي؟! ما معنى هذا النصِّ والتكرار والتشدُّق
    بلفظ "الكتابي" والتلمُّظ
    بذِكْره؟! وإذا كان هذا الرجل الذي تُصلِّي أنت عليه وتُسلِّم نبيًّا يأتيه
    الخبرُ من السماء بأخبار الماضين على فصِّها، ناعيًا على أهل الكتاب
    تبديلَهم لكتابهم، وتحريفهم له، فما الذي يمنع أن يأتيَه الخبر من السماء
    أيضًا بأمر الملك العادل أصحمة النجاشي - رضي الله عنه؟! وأنا لا أُلْزِمك
    بهذه الحُجَّة، ولكنِّي كرهتُ التهويلَ الذي هولتَه في جواب سؤال لا معنى
    له في الحقيقة عندنا نحن، ولا عندَك إن كنت صادقًا في أنَّك تريد الأخبارَ
    لا الدِّين، وكان مِن بديهة العقل السليم أن تقولَ عندئذ: إنَّك تظنُّ
    أنَّه سمع هذا ممَّن كان من الأحباش بمكَّة، ومَن كان يتردَّد عليها منهم،
    وممَّن دخل بلاد الحبشة، وكفى الله المؤمنين القتال! وخرجتَ بذلك مِن كلِّ
    ما دخلتَ فيه من المعرَّة والعيب والْتواء القصْد.



    ومع ذلك، فأنتَ إن قلتَ ذلك غيرُ صادق
    فيما تقول؛ لأنِّي أستطيعُ أن أستخرجَ لك الدليلَ بعدَ الدليل على اتِّجاه
    الكتاب كلِّه، لا في هذا الموضِع فحسبُ، وسأَزيد الأمرَ بيانًا باكتشافك
    العجيب الذي ادعيتَ أنَّ المؤرِّخين لم يعنوا به وهو مسألة "أم أيمن" - رضي الله عنها - لا
    أحبُّ أن أصفَ فَعْلتك التي فَعَلْت، ولكنِّي سأدع الأمور تَسير بك،
    وبالقارئ إلى غاياتها.



    زعم كتابُك (أنت) أنَّ أم أيمن حاضنةَ رسول الله - صلَّى الله عليه
    وسلَّم - كان لها تأثيرٌ عليه، لبعض كلمات حبشيَّة كان يقولها - صلَّى الله
    عليه وسلَّم - ولذلك فأمُّ أيمن عندك: "لم تكن صغيرةَ السِّنِّ يوم جاءت إلى جزيرة العرب، وإلاَّ كانت قد
    نسيت لغتها
    ".



    وهذا
    كلُّه تخرُّص عجيب
    ، فإنَّك قطعتَ بأنَّ هذه الكلمات الحبشيَّة،
    إنَّما جاءتْه من "أم أيمن"
    بلا دليل، ثم جعلتَ الشيء المجهول عن "أمِّ أيمن" دليلاً على صِدق ما تذهب إليه، وإلاَّ فحدِّثْني:
    مَن الذي حدَّثك أنَّ أم أيمن كانت تتكلَّم الحبشيَّة، أو تعرفها؟! وأنت
    نفسك تقول: "إنَّ المصادر تجهلُ كلَّ
    شيء عن أم أيمن قبلَ أن تكون جارية لعبدالله بن عبد المطلب
    " (والد رسول الله) أفتُريد أنت أيضًا
    أن تَقِفَ تتنبأ، كما وقَفَ لويس عوض يتنبأ بأنَّ شيخ المعرَّة قصَد
    أنطاكية: "وتعلَّم بها وهو صبي"؟!



    ورسولُ الله قد وَرِث أمَّ أيمن عن أبيه
    عبدالله، فما الذي يمنع أن يكونَ
    عبدالله قد وهَبَ له جَدُّه عبد المطلب أمَّ
    "أم أيمن"، و"أم
    أيمن
    " نفسها في حياتِه، وأن يكون عبد المطلب، قد وَرِث "أمَّ أمِّ أيمن" عن أبيه هاشم،
    وهَلُمَّ جرًّا؟! فتكون إذًا من "القِنّ"
    وهو الرقيق الذي آباؤه مماليك.



    ولكن
    هل أنا في حاجةٍ إلى الاستمرار في مِثْل هذه الفروض؟
    لا، فإنِّي
    إنَّما لجأتُ إلى الفرْض على توهُّم أني من قُرَّاء أكاذيب "كبرانجست"، لا مِن قرَّاء كتب العرب
    وأهل الإسلام، فهذا الأستاذ المتكذِّب المدَّعي يزعم: "أنَّ المصادر تجهل كلَّ شيء عن أمِّ أيمن
    قبل أن تكون جاريةً لعبدالله بن عبد المطلب، والد رسول الله - صلَّى الله
    عليه وسلَّم
    "!! وكَذَب الأستاذ الفاضل؛ لأنَّ رجلاً - مثلاً - كمحمد
    بن سلاَّم الجُمحي، صاحب "طبقات
    فُحول الشعراء
    "، حين ذكر الزُّبَير بن عبد المطلب الشاعر، ذكر أنَّ
    ممَّا صحَّ من شِعْره قصيدتَه التي يقول فيها:
    وَلَوْلاَ
    الْحُبْشُ لَمْ تَلْبَسْ رِجَالٌ
    ثِيَابَ
    أَعِزَّةٍ حَتَّى يَمُوتُوا





    ثم قال: "وقال قوم: لولا الحمس"، وليس هذا بشيء إنَّما هي "الحبش"؛ يعني: أنهم أخذوا ثيابَهم
    ومتاعَهم، وذلك حين جاؤوا يريدون هدمَ البيت، فردَّهم الله، وكانت "أم أيمن" منهم، غنمتْها قريش، وهي
    أمُّ أسامة بن زيد".



    فهذا
    وحْدَه نصٌّ يجعل الأستاذَ كاذبًا متنفِّخًا تنفُّخَ لويس عوض
    ،
    بادِّعائه أنَّه نظر في مصادرنا العربية، وفلاَّها تفلية، فعَلِم عندئذٍ
    أنَّ المصادر تجهل كلَّ شيء عن "أم
    أيمن
    " قبلَ أن تكون جاريةً لوالد رسول الله - صلَّى الله عليه
    وسلَّم!! وندع كَذِبَ هذا الضرب من "الأساتذة"
    جانبًا؛ لأنَّه شيءٌ مُقزِّز، شبيه بادعاء لويس عوض في شأنِ أبي العلاء
    المعريِّ: أنَّ "الحق أنَّه لا يُعرف
    شيءٌ عن تعليمه الرسمي حتى سِنِّ العشرين، وهي سن التكوين
    "، وقد
    فرغتُ من هذا الكذب أيضًا فيما سلف (58).



    وأخْذُ "أم أيمن" غنيمةً في عام الفيل، وهو العام الذي كانت فيه
    غزوةُ الحبشة بيتَ الله الحرام، وهو العام الذي وُلِد فيه نبيُّنا محمد -
    صلَّى الله عليه وسلَّم - لا يَعني أنَّها كانت كبيرةَ السِّن يومئذ؛ لأنَّ
    الجيوش قديمًا كانت تخرج، ومعها الإماءُ والحرائرُ والقينات؛ لخدمةِ الجيش
    وللعناية بالجرحَى، وللترفيه عن المحاربين بالغناء، وللتهويل بضرْب
    الدُّفوف، وهذا أمرٌ معروف لِمَن يقرأ مصادرَنا الإسلاميَّة، وعسى أن يكون
    قارئ "كبرانجست" خليقًا
    بجهله، وأيضًا فالإماءُ والحرائر ربَّما خرجنَ بأطفالهنَّ مع الجيوش.



    ولأسباب
    سيأتي ذِكْرُها بعدَ قليل، أُرجِّح أنَّ "أم أيمن" كانت حين غَنِمتْها قريشٌ في عام الفيل
    ،
    ممَّن خلَّفَها الجيش الهارب وراءَه، وأنَّها كانت طِفلةً صغيرة جاءتْ مع
    أمها، وعسى أن تكون أمُّها ماتت فيمَن مات من جيش "الحبش" الذي أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، ترميهم
    بحجارة مِن سِجِّيل، فجعلهم كعصف مأكول، وبقيتْ هذه الصغيرةُ اليتيمة
    وحيدةً، فأخَذَها عبد المطلب بن هاشم، ووهبَها لولدِه عبدالله والد رسول
    الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.



    وأيضًا ليس لِزامًا أن تكون "أم أيمن" حبشيَّة الجِنس واللِّسان؛
    لأنَّها ربَّما كانت من إماء أحباش اليمنِ وجواريهم، وأنَّها كانت من
    السُّودان، وأنَّ أمَّها كانت قديمةً في الرِّقِّ عند الحبش في جزيرة
    العرب، وأنها لم تَرَ أرض الحبشة قطُّ، فهي لا تعرف من لسان "الحبش" إلاَّ بعضَ اللَّفْظ، ولا
    تعرف من أخبار ملوك الحبشة شيئًا يُذكَر، أو يُعتدُّ به.



    ولو مضيتُ أفترض، وأُعلِّم أمثالَ هؤلاء "الأساتذة" كيف يُفكِّرون، لأطلتُ،
    ولخرجت عن جادَّة الطريق، وليس هذا تكبُّرًا عليك أيُّها الأستاذ، وتنفخًا
    باردًا كتنفُّخك، ولكنَّه طلبٌ للإيجاز والاختصار.



    ولكنِّي
    سأُعلِّمك ما لم تكن تعلم
    ؛ لتعلمَ أنَّ المؤرِّخين لم يقولوا شيئًا
    مما قلت، إلاَّ لأنَّه باطلٌ من كلِّ نواحيه، فأمُّ أيمن - رضي الله عنها -
    ماتتْ في أوَّل خلافة عثمان - رضي الله عنه – أي: في نحو سنة 24 من
    الهجرة، وذلك بعد وفاة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بنحو أربعَ
    عشرة سن

    yoyo
    صحباوى شغال
    صحباوى شغال

    عدد المساهمات : 103
    تاريخ التسجيل : 27/02/2010
    العمر : 24
    المزاج : كنافه

    رد: نار حامية

    مُساهمة من طرف yoyo في السبت يونيو 26, 2010 7:56 pm

    تسلم ايدك بس الله يخليك
    ارحم عنينا شويا

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 11:46 am